محمد هادي معرفة
129
التمهيد في علوم القرآن
لبلاغته وتجاوزه حدود الإمكان ، فلم نقف له على أثر في ذات القرآن ، ولم يأت ذكره في آياته ممّا جاء وصف القرآن فيها ، وليس فيها ما يشير إلى جهة بلاغته اللفظية ، التي هي من الصنعات الثانية التي لا يصحّ أن يمتدح بها اللّه في كتابه . . « 1 » 6 - وللشيخ محمد عبده رأي لم يتعدّ فيه رأي القدماء ، وهو أشبه بالاستدلال العقلي الكلامي على نمط دلائل المتكلّمين ، قال في رسالة التوحيد : جاء الخبر المتواتر أنّ النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) نشأ أميّا ، كما تواترت أخبار الأمم على أنّه جاء بكتاب قال أنّه أنزله اللّه عليه . كتاب حوى من أخبار الأمم الماضية ما فيه معتبر للأجيال الحاضرة والمستقبلة . نقّب على الصحيح منها وغادر الأباطيل التي لحقته الأوهام بها . . وشرّع للناس أحكاما تنطبق على مصالحهم . . وقام بها العدل وانتظم بها شمل الجماعة . . ففاقت بذلك جميع الشرائع الوضعيّة . . . وجاء بحكم ومواعظ وآداب تخشع لها القلوب وتهشّ لاستقبالها العقول . نزل القرآن في عصر كان أرقى الأعصار عند العرب ، وأغرزها مادة في الفصاحة ، وبذلك تواترت الأخبار ، كما تواترت بمبلغ حرصهم على معارضة النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) والتماسهم الوسائل قريبها وبعيدها لإبطال دعواه ، وقد تحدّاهم لو يأتوا بمثل أقصر سورة من القرآن لو استطاعوا فما استطاعوا ، فمع طول زمن التحدّي ولجاج القوم ، أصيبوا بالعجز ورجعوا بالخيبة وحقّت للكتاب العزيز الكلمة العليا . . أليس في ظهور مثل هذا الكتاب على لسان أمي ، أعظم معجزة وأدلّ برهان على أنّه كلام اللّه وليس من صنع البشر ؟ هذا وقد جاء في القرآن من أخبار الغيب ما صدّقته حوادث الكون . . ومنه ما جاء في تحدّى العرب مع سعة بلادهم وتباعد أطرافها ، ولم يسبق له ( صلى اللّه
--> ( 1 ) دائرة معارف القرن العشرين : ج 7 ص 677 - 680 مادّة قرأ .